هذا حديث ، لرجل وهذا الرجل اسمه سهيل بن أبي سهيل قال له
( قال النبي عليه الصلاة والسلام : لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم مقابر وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم )
ثم ذكر العلة وهي تتمة الحديث وهي تؤكد ما ذكرناه قال
: ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )
أن السلام على النبي من حيث القرب ومن حيث البعد سواء ولذا قال الحسن بن الحسن لهذا الرجل ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء ،
(
فنهاه وقال : ألا أحدثكم حديثا )
ألا
: أداة توكيد، ويراد منها في نفس الوقت التنبيه وهو تنبيه المخاطب إلى أن يسمع ما بعدها ،
ثم قال : ( أحدثكم )
جاء في الصيغة هنا بصيغة الجمع ، فإن المخاطب هنا جمع ، فلعل علياً أراد أن يبين لهذا الرجل ولمن حضر من أصحاب علي ، ولا يكون هناك تعارض في قصة الحسن بن الحسن ، فإن الخطاب هناك لشخص واحد ، وهنا الخطاب لجمع ، لأن بعض الشراح قال
: إن هذا الرجل بُين في رواية أخرى وهو سهيل بن أبي سهيل ، لكن مما يجعل هذا بعيدا ، أمران /
الأمر الأول
/ أن المذكور في القصة السابقة ليست واقعة في أمر الحسين وإنما في أمر الحسن ,
الأمر الثاني
/ أن هناك ورد بصيغة الإفراد وهنا بصيغة الجمع .
فدل على أنهما قصتان مختلفتان بدليل أن الفرجة لم تذكر في قصة الحسن
.
وكونهما قصتين أبلغ من أن تكون قصة واحدة لتثبيت هذا الأمر وتعدده
.
قال
: (ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي )
من هو أبوه ؟ الحسين
.
من جده ؟
علي بن أبي طالب
. والعجب أن هذا السند كله راجع لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ( عن علي عن أبيه الحسين عن جده علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم)
وهذا يقرر ما سبق من أن هذا الأمر كان منهيا عنه في آل البيت وفي المدينة ،
(
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تتخذوا قبري عيدا )
وهناك قال
: ( لا تجعلوا قبري عيدا )
( ولا تجعلوا – ولا تتخذوا ) كلامها مفعولان يتطلبان مفعولين ,
والعجب أن البعض قد شطح فقال
: إن هذا الحديث دليل على استحباب كثرة زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام وليس دليلا على النهي ، وبالتالي فإن كلامه هذا يناقض ما ذكر في الباب كله ،
ففهم من قوله ( لا تتخذوا قبري عيدا ) أي لا تجعلوا قبري بمثابة العيد الذي يعظم في السنة مرتين ، وإنما اجعلوه أكثر وأكثر ،
ويرد على هذا بما يأتي /
أولا
/ أن هذا خلاف ما عرف من مصطلح كلمة العيد وهو الذي يعود بتكرره سواء كان يوما أو شهرا أو سنة .
ثانيا
/ أن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح الناس فلو كان يريد أكثر لصرح بذلك ولم يوهم فكما قال ( أكثروا علي من الصلاة ) ما الذي يمنعه أن يقول : أكثروا من زيارة قبري ،
ثالثا
/
أن هذا خلاف ما ثبت عن آل البيت مما سبق ذكره ، بل هم أعلم الناس بمراد النبي صلى الله عليه وسلم ، بل إنها خرجت من المدينة وهم أعلم من غيرهم ، حتى إن بعض علماء الأصول جعلوا عمل المدينة إجماعا فجعل اتفاقهم إجماعا ، وهذا يدل على ماذا ؟
على أنهم أقرب إلى الحق وإلى فهم مراد النبي صلى الله عليه وسلم من غيرهم ، وهذه مسألة أصولية الصحيح أن إجماعهم ليس إجماعا قطعيا تلزم به الأمة .
رابعا
/ أن آخر الحديث يطرح هذا القول ، لأنه قال ( فإن تسليمكم يبلغني حديث كنتم )
خامسا
/أن في حديث الحسن بن الحسن لما ذكر هذه الأحاديث بين العلة قال ( لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) فهذا القول من البطلان من أوضح ما يكون .
قال
: ( وصلوا علي)
مسألة وجوب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه
, وقد وجدت قولين /
القول الأول يقول
: انه لا يجب أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه .
القول الثاني
: أنه يجب أنه يصلي على نفسه في الصلاة ,
ومما يدل على عدم الوجوب أنه عليه الصلاة والسلام يذكر اسمه ولا يصلي على نفسه
.
وأما مسألة معنى الصلاة
/ فهناك كتاب مسمى [ بالقول البديع في الصلاة على الشفيع الحبيب ] للسخاوي وهو أحد تلامذة ابن حجر البارزين ،فإنه درس على علماء لكنه استفاد فائدة كبرى لما لازم شيخه ابن حجر ملازمة كاملة إلى أن توفاه الله عز وجل ، فظفر منه بعلم غزير ، فألف هذا الكتاب ، وجدت ان الأقوال في معنى الصلاة من الله عز وجل على العبد قد تصل في معناها إلى خمسة ،
أولا /التعظيم ،
ثانيا
/
الرحمة .
ثالثا
/
السلام .
رابعا
/ أنها نوعان ، خاصة وعامة ، فالصلاة من الله عز وجل على رسله هي الثناء ،
وأما الصلاة على عباده فهي الرحمة وهذه هي الصلاة العامة ، ولذا ذكر في نفس السورة ، الصلاة على النبي والصلاة على المؤمنين فقال في الصلاة على المؤمنين { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } بينما في آخر السورة ذكر عز وجل { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } فالصلاة هناك من الله ومن الملائكة على عباده ، وهنا من الله ومن الملائكة ومن المؤمنين ،
خامسا /أنها هي الثناء ،
فيقول السخاوي رحمه الله لما ذكر هذه الأقوال .
قال
:وهذا القول وهو ثناء الله عز وجل على عبده هو أقرب الأقوال ولم يذكر دليلا ، والذي يظهر لي والعلم عند الله أن ما ذهب إليه هؤلاء المحققون هو الأقرب وهو ما ذكر سابقا أنها ثناء الله عز وجل على عبده لم ؟ لأنه قال في الصلاة في ختامها :
إنه حميد مجيد ، وحميد مأخوذة إما من اسم الفاعل أي حامد ، لأنه يحمد أفعال خلقه وهذا من الثناء ،
أو اسم المفعول أي محمود عز وجل على أفعاله وصفاته ، بدليل أنه قال مجيد والمجد هو العظمة ،
ولو كان معناها الرحمة لكن في قوله
( السلام عليك أيه النبي ورحمة الله وبركاته) كفاية ، فدل على أن الصلاة ليست هي الرحمة ، ولو كانت هي الرحمة لما قال الصحابة رضي الله عنهم كيف نصلي عليك ؟ ولو كانت هي الرحمة لجاز من غير خلاف أن تقول : اللهم صل على فلان ، لأنه يجوز أن تقول اللهم ارحم فلانا ،
وأما من جعل الصلاة هي السلام فقوله في ذلك ضعيف جدا لأن النص جاء بالتفريق بين الصلاة وبين السلام ،
ثم قال: ( فإن تسليمكم)
هذه العلة ، لم يقل فإن صلاتكم
قال
( صلوا علي ) ثم قال ( فإن تسليمكم ) كان من مقتضى الكلام أن يقول : وصلوا علي فإن صلاتكم ، لكنه قال هنا ( فإن تسليمكم )
ولعل هذه الجملة يستدل بها من قال
: بأن الصلاة هي السلام ، مع أنهم لم يذكروا شيئا فيما اطلعت عليه في الكتاب المذكور آنفا ،
ومما يزاد على ما سبق أن الصحابة فرقوا بين الصلاة والسلام إذا قالوا : ( يا رسول الله عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك ؟ )
والصواب
: أن تغير الأسلوب من قوله ( فإن تسليمكم ) ولم يقل ( وصلوا علي فإن صلاتكم ) الصواب أن هذا قد يكون داخلا تحت ما يسمى عند البلاغيين بالطي والنشر ، والطي والنشر من علم البديع ، والبلاغة ثلاثة فنون لا رابع لها [ علم المعاني – علم البيان – علم البديع ] وباختصار فإن الإنسان إذا أراد أن يعبر عن شيء فإن له معنى في نفسه وإذا أراد أن يعبر عنه جاء ما يسمى بعلم البيان ، وإذا أراد أن يحسن وأن يبدع هذا البيان جاء ما يسمى بعلم البديع ،
وعلم البديع نوعان / معنوي ولفظي ، وعلم البديع هو علم يزيد الكلام حسنا ورونقا وجمالا ، والطي والنشر هو من المحسنات المعنوية ، لأن هناك محسنات لفظية ،
والطي والنشر هو / أن يذكر متعدد ثم يذكر ما لكل واحد من غير تعيين ليفهم السامع بنفسه ما لكل واحد ما يخصه .
والطي والنشر نوعان
/
النوع الأول
/ أن يكون النشر مرتبا على الطي مثاله / قوله تعالى { ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار } ذكر الليل والنهار هذا هو الطي ، ثم يأتي النشر مرتبا ، { لتسكنوا فيه } هذا يخص الليل ، { ولتبتغوا من فضله } هذا يخص النهار ، فنرى أن كلمة الليل هي أسبق في الذكر من كلمة النهار وجاء النشر مرتبا .
النوع الثاني
/ أن يأتي النشر غير مرتب ،
كما في قوله تعالى { فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب } قال { فمحونا آية الليل } ما هي آية الليل ؟ القمر ، { وجعلنا آية النهار مبصرة } ما هي آية النهار ؟ الشمس ، ثم لم يرتب قال { لتبتغوا فضلا من ربكم } هذا يعود إلى النهار } { ولتعلوا عدد السنين والحساب } هذا يعود إلى القمر ، قال تعالى { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } فلعل هذه الجملة تكون داخلة تحت الطي والنشر وذلك لأن كل كلمة تدل على الأخرى ، ولا شك أن هذا من البلاغة بمكان فبدل أن يقول ( وصلوا علي وسلموا علي فإن صلاتكم وتسليمكم يبلغني أين كنتم ) ذكر الصلاة ثم ثنى بذكر التسليم فيكون ذكر الصلاة دالاً على التسليم باعتبار ما بعده وهو ( فإن تسليمكم ) ويكون التسليم دالا على الصلاة باعتبار ما قبله ( وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم )
يعطيك الف عافية ولا نحرم من موضيعك
